مع الآيات

الصمُّ والبكم .. “مع الآيات ـ حلقة 15″

حلقات يكتبها: أ.د. عبد الشافى الشيخ

استاذ الدراسات العليا بجامعة الأزهر الشريف
أستاذ التفسير وعلوم القرأن بجامعة الأزهر الشريف

فى الحلقة الخامسة عشر من سلسلة حلقاتنا: “مع الآيات” نتناول آيتين فى كتاب الله من سورة البقرة

يقول الله تعالى:

“مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18)”

وهذه صورة جديدة رائعة من صور تودد الله وتقربه إلى عباده،

وهو الغني عنهم، إذا كيف يصبر الله تعالى على عباده، لدرجة أن يدعوهم بكل الوسائل وشتى الصور،

ويظل يحذرهم وينصحهم، ومع ما ظهر منهم من عناد ولدد، إلا أنه يضرب لهم الأمثال كصورة جديدة من صور النصيحة.

ولما كانت صورة النفاق صورة مستبشعة، ولا يعلم حقيقة خبثها على الحقيقة إلا الله تعالى، أراد الله تعالى أن يضع هذه الصورة في قالب حسي، حتى يستحضر الناس صورة النفاق والمنافقين فينفروا منها.

المنافق ترك هذا النور واستهزأ به

إن المنافق يقول بلسانه قول المؤمنين، وهذا بطبعه يُحدث حالة من الارتياح النسبي المؤقت،

وكان على المنافق- لو تخلى عن نفاقه – أن يسير وراء هذا النور الذي صدر منه ولو عن غير تعقل وتدبّر،

إلا أن المنافق ترك هذا النور واستهزأ به، وابتغى الهداية في غيره، فأضلّه الله جزاء خبث نيته، وأمدّ له في الضلال، تماما كمن استوقد نارا، وكان بالإمكان الإفادة من النار قدر الطاقة،

إلا أن الله تعالى لما علم منهم خبث نيتهم، حرمهم الانتفاع بهذه النار، وتركهم في ظلمات غيّهم وعنادهم يعمهون، بسبب سوء اعتقادهم.

رفضوا نور الله فعاقبهم الله بجنس فعلهم

وهناك فئة في كل زمان ومكان يعلم الله تعالى مسبقا عدم هدايتهم، فيختم الله على قلوبهم، فلا يجدي معهم نصح ولا دعوة.

وهؤلاء هم المنافقون الذين أبوا ورفضوا نور الله، فعاقبهم الله بجنس فعلهم، فتركهم في غيّهم وضلالهم، فأحاطت بهم خطيئاتهم وانغمسوا في شهواتهم فأصبحوا لا يرون إلا أنفسهم، ولا يعتدون بغير رأيهم، وهي والله الطامة الكبرى:

ألا يرى الإنسان سوى نفسه، وألا يسمع سوى صوته، وألا يقتنع إلا بشخصه،

فإذا رأيتم الرجل أو الحزب أو الجماعة أو غيرهم يعتد برأيه هو فقط ولا يسمع لغيره فاعلم أنه على خطر عظيم مع الله تعالى، لأن هذه صفات المنافقين.

صمٌ وبكمُ وعميٌ

ثم يصفهم الله تعالى بأنهم صمٌ وبكمُ وعميٌ، وهذه صفات مجازية، فليسوا صما ولا بكما ولا عميا على الحقيقة،

إذِ الثلاث قنوات اتصال بالعالم الخارجي موجودة، وإذا افتقدها الإنسان جملةً سقط التكليف عنه،

وهي عدالة الله تعالى، والمراد هنا أنهم صمٌ: عن الإيمان والذي بدت أنواره تظهر إلا أنهم أطفأوا جذوتها في قلوبهم بنفاقهم،

وبكمٌ: فلا ينطقون بالحقيقة التي يريدها الله منهم،

وعميٌ: فلا يرون إلا أنفسهم، ولا يرون الأدلة الساطعة الدالة على وحدانية الله وأحقيته في العبادة.

ولتكن رسالة اليوم: إن كل نعمة أنعم الله بها على العبد فلم يحسن استعمالها، سلبها الله تعالى منه وإن حكما،

فاحذر أخي المسلم أن يهبك الله نعمة فتسيء استعمالها، فأنت ساعتئذ مهدد بالسلب،

ونعوذ بالله من السلب بعد العطاء.

أ. د. عبد الشافى الشيخ
أستاذ الدراسات العليا
فى التفسير وعلوم القرآن الكريم
يجامعة الأزهر الشريف

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى